الفيض الكاشاني
43
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
وبالجملة فالنفس في الوطن مع مؤاتاة الأسباب لا يظهر أخلاقها لاستيناسها بما يوافق طبعها من المألوفات المعهودة ، فإذا حملت وعثاء السفر ( 1 ) وصرفت عن مألوفاتها المعتادة ، وامتحنت بمشاقّ الغربة انكشف غوائلها ووقع الوقوف على عيوبها فيمكن الاشتغال بعلاجها . وقد ذكرنا في كتاب العزلة فوائد المخالطة ، والسفر مخالطة مع زيادة اشتغال واحتمال مشاقّ . وأمّا آيات الله في أرضه ففي مشاهدتها فوائد للمستبصر ففيها قطع متجاورات وفيها الجبال والبراري والبحار وأنواع الحيوان والنبات ، وما من شيء منها إلا وهو شاهد للَّه بالوحدانيّة ومسبّح له بلسان ذلق ( 2 ) لا يدركه إلا « من ألقى السمع وهو شهيد » ، وأمّا الجاحدون والغافلون والمغترّون بلا مع السراب من زهرة الدّنيا فإنّهم لا يبصرون ولا يسمعون ، لأنّهم « عن السمع لمعزولون » ، وعن آيات ربّهم محجوبون « يعلمون ظاهرا من الحياة الدّنيا وهم عن الآخرة هم غافلون » وما أريد بالسمع السمع الظاهر - فإنّ الَّذين أريدوا به ما كانوا معزولين عنه - وإنّما أريد به السمع الباطن ، ولا يدرك بالسمع الظاهر إلا الأصوات ، وسائر الحيوان يشارك الإنسان فيه ، فأمّا السمع الباطن فيدرك به لسان الحال وهو نطق وراء نطق المقال يشبه قول القائل - حكاية لكلام الوتد والحائط - قال الجدار للوتد : لم تشقّني ؟ فقال : سل من يدقّني فلم يتركني ، ورائي الحجر الَّذي ورائي ، وما من ذرّة في السماوات والأرض إلا ولها أنواع شهادات للَّه سبحانه بالوحدانيّة هي توحيدها وأنواع شهادات لصانعها بالتقديس هي تسبيحها ولكن لا يفقهون تسبيحهم - لأنّهم لم يسافروا من ضيق سمع الظاهر إلى فضاء سمع الباطن ومن ركاكة لسان المقال إلى فصاحة لسان الحال - ولو قدر كلّ عاجز على مثل هذا السير لما كان سليمان عليه السّلام مختصّا بفهم منطق الطير ، ولما كان موسى عليه السّلام مختصّا بسماع كلام الله تعالى الَّذي يجب
--> ( 1 ) الوعثاء : المشقة والتعب . ( 2 ) الذلق : الفصيح .